Advertisements

منى غنيم تكتب : خذني إلى الكنيسة (الجزء الثاني)

بوابة الفجر

استقليت تاكسيًا في طريق العودة للمنزل، لم أرد لسامح أن يلحظ توتري، الكينج؟ لا أحد في العالم يعلم هذا الاسم،لا أحد، هل هذه دعابة سخيفة؟ يبدو لي الأمر كفيلم سخيف من أفلام مقاولات الثمانينات، الأفكار تتداعى في رأسي كجدران معبد مُتهدِّم، جوديت الجميلة البريئة، لقد نهرتها لأنها ألحت في السؤال عن إمكانية الذهاب لحديقة الاطفال، أنا أب فاشل، بل لا أرقى لكوني أب، الكينج يا حلوتي الكينج لا يهوى حدائق الاطفال، لا يتحمل رؤية ملاك مثلك يبتسم، كانت أغنية "خذني إلى الكنيسة" لهوزير Take Me To Church تنبعث من مذياع التاكسي، هي أغنية شهيرة تتحدث عن حبيب يعشق محبوبته حد العبادة و يتوسل إليها أن تأخذه إلى كنيستها حيث سيغرق في شعائر حبها كالكلب! إنه الحب إذن، كلّا، إنه الرمادي العظيم الذي يدعوني لأول مرة إلى كنيسته.

 

في اليوم التالي كان حالي يصعب على الكافر، لم يفهم سامح ماذا يحدث وملّ من طرح الأسئلة، الصوت لايزال يتردد في أذني، كيف؟ كيف؟لا أطيق صبرًا على عودتي للمنزل، في تمام السابعة كنت مُسَمَّرا أمام باب المصعد، المنطق يقول أن أصعد الدرج لكن شيئًا ما بداخلي يدفعني دفعًا للمصعد، فتحت الباب فأُضِيْء المصباح الصغير المُعلّق بداخله، لا يوجد كينج، لابد أنه مقلب إذن من أحد الزملاء في قسم الحوادث، لاشك أن من فعلها مستلقي على ظهره وهو يصارع الموت ضحكًا الآن، ومن يلومه؟ فلننظر إلى حس دعابة سامح، وضعت قدمي بالداخل وسجلت على اللوحة 6 ، سمعت هدير محرك المصعد والكابينة الحديدية تزحف  نحو الأعلى..

 

1 2 3

 

هنا انقطعت الكهرباء

مددت يدي لأفك ربطة عنقي، أنا حقًا أتصرف كأنني في فيلم ثمانيناتي، بدأ العرق يحتشد على جبهتي فأغلقت عيني خلف زجاج النظارة، وفتحتهما، فرأيته..

الكينج

مهيبًا قاتمًا أسطوريًا رماديًا شاحبًا سرمديًا مبتسمًا

 

-ها نحن ذا نلتقي

-أنت حي؟

-بالطبع أنا حي، إنه أنت الميت، أنا من ذريتك ومن أبناء أفكارك، اطمئن لم تكن تهذي.

-ماذا تريد؟

-أريد أن أتحرر من عباءتك، لقد حان الوقت، أُجبِرت على مشاهدتك طيلة هذا الوقت وأنت تُنجِّس محراب الرمادي العظيم، تظن أن قراءة بضعة أبيات لنيتشه وسماع بضعة أشعار لمصطفى ابراهيم تجعلك جديرًا؟ تجعلك مُستحِقًا؟ أنت لا تستحق أن تكون حتى حشرة في مملكته، أنت فاشل في كل شىء، تعمل في وظيفة تكرهها من أجل جلب بعض المال للإنفاق على زوجة لا تحبك وابنة فضضت قلبها البكر بالحزن الدائم والقسوة.

-أنت من فعل هذا.

-بل أنت يا عزيزي، أنت مُلوَّث يا محمد ودَنِس، قلبك لا ينبض بعشق الإله الرمادي العظيم، أنت في مملكتنا اتقاءً لشرنا وليس حبًا فينا، قل لي هل تؤمن بوجود إله؟هل تخشى الموت؟هل تعتقد أنك ستخطو بعده نحو الملكوت الأبدي؟ إن ما يخيفك أكثر من الموت والاحتراق الأبدي في سُفُول الجحيم هو اللاشىء، تخشى أن تغمض عينيك للمرة الأخيرة لتفتحهما على الخواء الفسيح،على اللاشئ، تخشى مجابهة الرمادي الأعظم، تخشى الصمت وقسوته، والوحدة وغلبتها، لذا أتيتنا راكعًا كضرب من ضروب تعلم السباحة قبل أن تُلقى في النهر، أنت كافر.

 

توقف الكينج عن الكلام لبرهة وأخذ نفسًا عميقًا ثم أخرج من جيب بذلته قاطع الأوراق الحاد الذي أستعمله في العمل وقدّمه لي:

-فلننهي هذه المسرحية هنا والآن،أريد أن أحيا في جسد نظيف.

 

التقطت القاطع وشمّرت كم قميصي الأيمن ووضعته على مبدأ زاوية الرسغ ،أحدثت شقًا صغيرًا انبثق منه الدم، أحمر جدًا، ملوّن، هنا تذكرت شيئًا، مددت يدي في جيب سروالي وأخرجت حلوى طوفي بنفسجية التغليف أعطتها لي جوديت، كان البائع قد أعطانا اثنتين منهما بدل الفكة فأكَلَت واحدة وأعطتني الثانية، وقالت أنها فعلت ذلك لأنها تحبني.

((تحبني؟))

نزعت الورقة ووضعتها في فمي بسرعة

 

-ماذا تفعل؟

 

فتحت عيني فوجدتني في أرض الرمادي العظيم من جديد، وفي يدي ذات المشعل، سمعت صوت تكسُّر الحشائش خلفي فاستدرت هذه المرة

 

جوديت! مالذي أتى بك إلى هنا؟

 

وضعت يدها على فمها في إشارة لي أن أخفض صوتي حتى لا تسمعنا الحيوانات وابتسمت

جثوت على ركبتي أمامها، وقلت من بين عَبَراتي:

 

-أنا آسف يا حلوتي يا قرة عيني، لقد كنت أنا، كنت أنا لم يكن الكينج، سامحيني يا جوديت، أنا أحبك يا ابنتي، خديني إلى كنيستك يا جوديت، حلقي بي بعيدًا، بعيدًا عن هنا

 

احتضنتي جوديت ولم أدر ماذا يحدث، نظرت لأجد الأرض تَمَوَّر تحتنا والألوان تندفع كالأمواج لتغزو كل شىء وتفتك بكل ما ومن يعترض طريقها، احتضنتها بقوة أكثر وأرض الظلام تتداعى من حولنا، سمعت الكينج يصرخ من مكان ما، أغلقت عيني وفتحتهما فوجدتني جاثٍ على ركبتي على أرضية المصعد وقد عادت الكهرباء لتبعث الحياة في كل شىء من جديد

 

4 5 6

 

خرجت وأنا أبكي عرقًا ودمعًا وفرحًا واندفعت نحو باب شقتنا أكيل له الطرقات

فتحت زوجتي الباب وسقط فمها من المفاجأة، هي وسامح وأولاد عمي وخالتي ورئيسي في العمل ومجموعة من زملاء القسم و جوديت التي كانت -مثلهم جميعًا- ترتدي الطرطور على رأسها وتمسك زمارة، تبًا! إنه عيد ميلادي!

 

-محمد؟

 

اقتربت مني جوديت بحذر وهي تنظر لي وأنا أبدو كمن تعرض لحادث سير

-كل سنة وأنت طيب يا أبي

 

كشفت يدها الصغيرة عن ساعة يد كنت قد أبديت إعجابي بها في فاترينة أحدى المحلات منذ فترة

 

جثوت على ركبتي والدموع لاتزال تفر من مقلتي:

-وأنتي طيبة يا منقذتي

 

في ختام الليلة الصاخبة، وبعد كثير من الرقص والغناء وأكواب عصير البرتقال وقطع الكعك والساليزون والجاتوه، سألني سامح عم كنت أفعله بالظبط طيلة هذا الوقت في المصعد؟

-كنت أصلي.